سيد محمد طنطاوي
206
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وأدرك وذلك لا يكون الا بعد الإخراج . وقدم السمع على البصر ، لأنه طريق تلقى الوحي ، أو لأن إدراكه أقدم ، من إدراك البصر . وإفراده - أي السمع - باعتبار كونه مصدرا في الأصل . . . « 1 » . وقال الإمام ابن كثير : « وهذه القوى والحواس تحصل للإنسان على التدريج قليلا قليلا حتى يبلغ أشده . وإنما جعل - تعالى - هذه الحواس في الإنسان ليتمكن بها من عبادة ربه ، فيستعين بكل جارحة وعضو وقوة على طاعة مولاه كما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : يقول تعالى - » من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب . وما تقرب إلى عبدي بشيء أفضل مما افترضت عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشى بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن دعاني لأجيبنه ولئن استعاذ بي لأعيذنه ، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددى في قبض نفس عبدي المؤمن ، يكره الموت ، وأكره مساءته ، ولا بد له منه « . فمعنى الحديث أن العبد إذا أخلص الطاعة ، صارت أفعاله كلها للَّه ، فلا يسمع إلا للَّه ، ولا يبصر إلا للَّه أي : لما شرعه اللَّه له . . « 2 » . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ ، وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصارَ والأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ « 3 » . ثم حض - سبحانه - عباده على التفكر في مظاهر قدرته فقال - تعالى - : * ( أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّه . . ) * . والطير : جمع طائر كركب وراكب . و « مسخرات » من التسخير بمعنى التذليل والانقياد أي : ألم ينظر هؤلاء الذين أشركوا مع اللَّه آلهة أخرى في العبادة ، إلى الطيور وهن يسبحن في الهواء المتباعد بين الأرض والسماء ، ما يمسكهن في حال قبضهن وبسطهن لأجنحتهن إلا اللَّه - تعالى - ، بقدرته الباهرة ، وبنواميسه التي أودعها في فطرة الطير . إنهم لو نظروا نظر تأمل وتعقل ، لعلموا أن المسخر لهن هو اللَّه الذي لا معبود بحق سواه
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 589 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 579 . ( 3 ) سورة الملك الآية 24 .